ابن الجوزي
69
كتاب ذم الهوى
الباب الرابع في مدح الصبر والحثّ عليه وإذ قد قدّمنا ذمّ الهوى ، وأمرنا بمخالفة النفس ، ولا إمكان لمخالفتها وترك هواها إلا بالصبر ، فلنقل في فضله وشرفه والأمر به ، واللّه الموفق . الصبر في اللغة الحبس ، وكلّ من حبس شيئا فقد صبره . ومنه المصبورة التي نهي عنها ، وهي الدجاجة ونحوها ، تتّخذ غرضا وترمى حتى تقتل . وسمّي رمضان شهر الصبر ، لأنه شهر تحبس فيه النفس عما تنازع إليه من المطعم والمشرب والمنكح ، والصابر حابس لنفسه عما تنازع إليه من المشتهى ، أو شكوى ألم . وسمّي الصابر في المصيبة صابرا لأنه حبس نفسه عن الجزع . وحكى أبو بكر بن الأنباري عن بعض العلماء أنه قال : إنما سمي الصبر صبرا لأن تمرّره في القلب وإزعاجه للنفس كتمرّر الصبر في الفم . واعلم ، وفقك اللّه ، أنّ الصبر مما يأمر به العقل ، وإنما الهوى ينهى عنه ، فإذا فوضلت فوائد الصبر وما تجلب من الخير عاجلا وآجلا ، بانت حينئذ فضائل العقل وخساسة الهوى . واعلم أن الصبر ينقسم قسمين : صبر عن المحبوب ، وصبر على المكروه . فالطاعة مفتقرة إلى الصبر عليها ، والمعصية مفتقرة إلى الصبر عنها . ولما كانت النفس مجبولة على حب الهوى فكانت بالطبع تسعى في طلبه ، افتقرت إلى حبسها عما تؤذي عاقبته . ولا يقدر على استعمال الصبر إلا من عرف عيب الهوى وتلمّح عقبى الصبر ، فحينئذ يهون عليه ما صبر عليه وعنه . وبيان ذلك بمثل ، وهو أنّ امرأة مستحسنة مرّت على رجلين ، فلما عرضت لهما اشتهيا النظر إليها ، فجاهد أحدهما نفسه وغضّ بصره ، فما كانت إلا لحظة